غزة ـ ميرفت أبو جامع: "أثار اهتمامي اسمها؛ لذا فقد ذهبت بمؤشر الـ "ماوس" إلى الـ "الآي دي" الخاص بها، وضغطت عليه "كليك"؛ لأدعوها بذلك إلي محادثة على الخاص، خارج إطار الشات المعلن للعموم عبر الـ "رووم" .ـ ما هو اسمك؟
ـ رامي.. وأنتِ؟
ـ لطيفة.
كان نفس الاسم الذي تحمله عبر برنامج المحادثة".
قد يبدو ما سبق جزءاً من حوار رقمي عادي، يُجرى يومياً عبر "الشات" أو "الماسنجر"، ولكننا لم نتصور أن يصبح هذا الحوار، يوماً ما، شكلاً أدبياً، ويسمى" قصصاً رقمية"، تضاف إلى الأجناس الأدبية التقليدية التي نعرفها، فتأخذ هذه القصة الجديدة شكلاً إلكترونياً، يراعي متطلبات العصر، ويجذب القارئ العجول، بلغة بسيطة خالية من صعوبات اللغة الفصحى، ويستخدم تقنيات حديثة، بمؤثرات الصوت والصورة.
رجب أبو سرية، الكاتب والروائي والمحلل السياسي، المقيم في غزة، التفت إلى هذا الإبداع الجديد، وحفر نصوصاً أدبية بلغة رقمية بحتة، وباستخدام تقنيات تكنولوجية "الميكروميديا والفلاش"، في تقديم قصصٍ تراعي حاجة القارئ "الرقمي" العصري، وتؤسس لجنس أدبي جديد، متحررٍ من قيود الكتابة التقليدية: لغة وشكلاً، ويحمل عناوين رقمية أيضا "تعويذة إلكترونية"، "إيميل مزدوج"، "رسائل عبر محمول".. عن إبداعه الجديد يتحدث في الحوار التالي:
كتبت الرواية والقصة القصيرة والمسرحية، ولك إسهامات في النقد الأدبي، وتواظب منذ15 عاماً على كتابة المقال السياسي، ألا تعتقد أن هذا التعدد يشتت قدرتك، ويؤثر سلباً على مستوى ما تقدمه من إبداع؟
"هذا الأمر في الحقيقة يؤرقني، ومنذ بدأت الكتابة، وهو يشغل بالي دائماً، لكني بعد التفكير في الأمر، لم أجد ما يعيب لعدة اعتبارات: أولها أن جنس الإبداع ما هو إلا خطاب إبداعي؛ يهدف إلى إيصال الخطاب، من قبل المرسِل إلى المستقبِل، على أوضح صورة، وبأكثر قدر من التأثير. وحين أرغب في قول شيء ما للقراء، أشعر حينها بأن ما أود قوله يجيء على شكل قصة قصيرة فتكون كذلك، وأحياناً يأتي على صورة رواية أو مسرحية. فالفكرة عندي تأتي مع جنسها الأدبي، ثانياً: ما كتبته تراوح بين القصة، والرواية، والمسرحية، وهي جميعاً فنون سردية. بعد ذلك يندرج ما كتبت من مقالات في نقد القصة أو الرواية في إطار الاهتمام ذاته، أما كتابة المقال الصحفي، فله علاقة بكوني فلسطيني، لم أمارس السياسة من باب الترف أو التطلع إلى الموقع الحكومي الرفيع، بل للدفاع عن حقوق شعبنا الوطنية، وممارسة واجبي تجاه وطني. وأنا شخصياً أعتقد بأن من يمارس الأدب أو الفن، بمعزل عن المجتمع، إنما يمارس ترفاً فكرياً؛ بهدف التكسب أو تحقيق المكانة الاجتماعية التي تؤدي للغرض ذاته".
كتبت عدة مجموعات قصصية تنوعت في اهتماماتها، وفي استخدام الأدوات التقنية، ويمكن القول إن كل مجموعة منها تشكل تجربة ما.
هلا شرحت لنا حصيلة تجربتك في كتابة القصة القصيرة؟
"في المجموعة الأولى تناولت موضوع حاجة المرأة للجنس، وقدمت في مجموعة "ليس غير الظل" نماذج نسائية متعددة، وكان القص عبارة عن سرد أنثوي، يذكر بأصل السرد الحكائي الشرقي. وفي "تهاويم الأرق" اشتغلت على العوالم النفسية، وعلى القاموس اللغوي، وحساسية اللغة، التي جاءت شاعرية وعذبة وشفافة. أما "نثار الروح والجسد"، فقد قدمت فيها نموذج القصة القصيرة جداً، اللقطة ومفارقة الموقف. ثم عدت في "تخاريف" لأجرب قص الحكايا التي تشبه حكايا التراث. ثم "ضمير الأنا الغائب" مجموعة قصص قصيرة جداً، تقدم لقطات عامة، أكشف من خلالها مدى الخواء الإنساني، الذي أصاب الناس. والآن أعمل، ومنذ أكثر من سنتين، على تقديم القصة الرقمية، التي توظف المستحدث التقني نصياً؛ لإبهار القارئ، واستجابة النص للتحولات الجوهرية والمهمة جداً، التي تحدث في المجتمعات البشرية، ومنها بالطبع مجتمعنا العربي والفلسطيني".
كيف توصلت إلى هذا الشكل من كتابة القصة القصيرة؟ وما الذي يميز القصة الرقمية عن القصة التقليدية؟
"الكتابة التقليدية، بكل أشكالها، تمر بأزمة؛ بسبب انتشار ثقافة الصورة، وتراجع الثقافة المكتوبة التي تثير المخيلة؛ لذا كان الاعتماد على المؤثرات البصرية والسمعية في النص الرقمي حيلة للحاق بوعي عام، يتغذى على الصورة المرئية، وبدرجة أقل على الكلمة واللحن المسموع، ثم من الضروري أن يستجيب الإبداع، ليس فقط في الشكل لما هو حديث من تقنيات عامة وخاصة، بل أيضاً إلى ما استجد على مستوى العلاقة بين النص والقارئ، الذي ما عاد يقبل بدور المتلقي السلبي، بل هو يشارك ويعلق، وفوراً يتفاعل النص مع قرائه ويتحدد مستوى انتشاره وأهميته.. إلخ. وبذلك صار يمكن لنا أن نميز بين نص رقمي، ونص تفاعلي، ليس ذلك فقط، بل إن العلاقات الاجتماعية التي تدور بين الشخوص في النص، لابد أن تكون على شاكلة ما صارت عليه في الواقع، أي أن النص الرقمي أو التفاعلي، صار لزاماً عليه أن يصبح أكثر انفتاحاً، وهذا أيضا ينطبع على تحولات اللغة".
منذ متى تكتب القصص الرقمية؟ وهل أنت راضٍ عن مستوى الاهتمام بما كتبت، خاصة وأنك قدمت شكلاً جديداً؟
"قبل حوالي عامين كتبت10 قصص بعنوان مركب "موبايل ـ نت" "كليكات مشاغبة"، تدور كلها بين شخصيات تستخدم الإنترنت أو الموبايل، ثم هي "كليكات" أو حركات سريعة مشاغبة، من حيث كونها مثيرة، وتحاول أن تثير الساكن في حياتنا، رغم هذا التحول الهائل في المجتمع الكوني من حولنا". وقد نشر منها في موقع شبكة الكتاب الفلسطينيين 6 قصص فقط، وجاء رد فعل القراء، كما توقعت، مذهلاً فقد أحب الشكل، وخفة دم النصوص، وما تقدمه من أجواء حديثة، بعيداً عن شيخوخة النص القصصي الكلاسيكي المعتاد، ذلك أن القاريء لم يعد لديه وقت ليقرأ ساعات طوال، هو يريد معلومة سريعة، تُقدم له في شكل ممتع، لكن ما يثير حيرتي هو تجاهل المهتمين من نقاد وكتاب لهذا الإبداع الجديد".
كيف ترى مستقبل القصة القصيرة الورقية، وهل يهدد ظهور القصص الرقمية الأجناس الأدبية الورقية؟
"كل ذلك، بالقطع، لا يهدد الأجناس الأدبية الورقية، بل على العكس تماماً، هو يجيء محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مكانة لهذه الأجناس المهددة، في عصر الفضائيات وثورة الاتصالات، من قِبَل كل ما له علاقة بثقافة الصورة. فانتشار المواقع الإلكترونية له أثر إيجابي على انتشار واتساع رقعة الكتابة، وتحرريها من الرقيب بتعدد أشكاله ومستوياته، وقام بإزالة الحواجز التي كانت تحول دون ممارستها على نطاق واسع، ونشرها على نطاق أوسع، كما أن عصر الكتابة الرقمية حرر الكتابة من وصاية العهد الذكوري، حيث يُلاحظ حجم النساء المشتغلات في المواقع والمنتشرات فيها أيضا".
ما هي مشاريعك المستقبلية في إطار القصص الرقمية؟
"لم يكن بالنسبة لي أمراً مشجعاً، حتى الآن، حجم الاهتمام بأول قصص رقمية نشرتها؛ لذا ما زلت أسير المجموعة الأولى،10 قصص. على ما يبدو أن مهمتي تكمن في التبشير بهذا الشكل الأدبي، أما إنتاجه الحقيقي فسيكون على يد آخرين غيري، ممن هم في عمر أبنائي وبناتي، فالأجدى لنا أن نفكر في أدب تفاعلي، وليس في أدب رقمي فقط".

المفضلة
إرسال إلى صديق
التعليقات (2)

أضف تعليق

